كتاب الرأي

الفراغ الذي يتكلم

بقلم الكاتب عادل النعمي :

كان مكتب سعيد البرتاوي في الطابق الأخير أشبه بفضاء معزول عن العالم، لا ينتمي تمامًا للضوء ولا للظل، بل يقف في تلك المنطقة التي تتردد فيها الأشياء قبل أن تُفصح عن نفسها، فقط مطل على الفراغ وعلى مدينة تفقد ملامحها في الأفق!

 الممر المؤدي إليه طويل، هادئ، له صدى لا يُسمع إلّا إذا مر به شيء مأزوم في الداخل، كأن المبنى يحتفظ بذكرى خطوات مرت عليه ذات ذنب ولم تُمح آثارها تمامًا. 

عند الباب لوحة معدنية صغيرة، مقتضبة حدّ الإرباك: د. سعيد البرتاوي معالج نفسي.

داخل المكتب، كانت الأشياء توزّع نفسها كأنما توطّن صمتها الخاص، نصف المكان يتخذ هيئة عيادة نفسية مُحايدة، كأنه يراقب نفسه كي لا يعطي انطباعًا زائدًا، والنصف الآخر يبدو كغرفة تحقيق قُطعت عنها الكهرباء قبل دقائق. 

مكتب واسع، ورفوف داكنة مكتظة بكتب لم تُقرأ مرة واحدة بل مرات كثيرة، وملفات رمادية بلا أسماء.

نافذة كبيرة تُطل على مدينة تبدو متعبة من كثرة ما حاولت أن تخفيه.

جلس سعيد بالطريقة التي اعتادها منذ سنوات: ظهر مستقيم لكنه غير متحجّر، يد على الطاولة محتفظة بقدر من الحياد، وأخرى قرب فنجان قهوة يبرد كل يوم بالوتيرة نفسها، كأنّ شربه نوع من الاقتراب الذي لم يعد يجد ضرورة له. 

لم يكن الإصغاء بالنسبة إليه عملية تتبّع للكلمات، بل التفات إلى المساحات التي تسبق الكلمات وتليها. 

كان يرى الحقيقة في الانزلاق اللفظي، في التوقف غير المبرّر، في الرعشة التي تُخفى بعناية أكثر مما تُخفى جملة كاملة.

حين دخلت نجلاء، لم يسبق وجهها إلى الإدراك، بل سبقتها تلك المسافة التي تركتها بينها وبين الباب… الباب الذي لم يُغلق تمامًا، كأنه لم يُغلق عن قصد، بل تُرك على هيئة احتمال.

توقفت لحظة، ثم التفتت إليه كما لو أنها لا تراه، بل تقيس أثره في الفراغ… ذلك الفراغ الذي يتكوّن عادة قبل الكلام الصعب، قبل الجمل التي تُقال كي لا تُفهم كاملة، بل كي تُؤجل.

كان يعرف، دون أن يلتفت، أن بعض من يخشون ما سيقولونه لاحقًا لا يقطعون الطريق خلفهم بالكامل. 

يتركونه مفتوحًا، لا حبًا في العودة، بل خوفًا من أن يُحسم كل شيء دفعة واحدة.

نزعت قفازها الأيسر وحده، ثم جلست واضعة حقيبتها فوق ساقيها، كأنها تبني بينها وبين المكان عتبة احتياطية… حركة لا يلتفت إليها سوى من يعرف أن كل وضعٍ للجسد هو جزء من رواية لا تتكلم بلسان صاحبها.

لم يكن سعيد بحاجة إلى سماع شيء، فقد بدأت القصة قبل أن تنطق! ولكنه تركها تتقدّم بحريتها، كما تُترك الأرواح لتكشف وجهها عندما تغيب المرايا.

قالت جملتها الأولى، تلك الجملة التي يرمي بها الإنسان الطُعم ليراقب همست لسعيد بأن لديها شعور بأن ابنها بدأ يبتعد. 

ترك سعيد الجملة تهبط وحدها، ينصت لثقلها أكثر من معناها… كانت الكلمات التي تليها أسرع مما يجب، وكأنها تحاول أن تغلق بابًا فتحته دون انتباه حين ذكرت وفاة الزوج… السرعة في الكلام ليست وضوحًا؛ إنها محاولة لطمس أثر الخطوة الأولى على الرمل.

كان سعيد يعرف: الإنسان يُعلن في النصف الأول من الجملة، ويُخفي في النصف الثاني أثر ما أعلن.

ترددت لحظة قبل أن تكمل، ثم قالت: أظن أن ابني بدأ يكرهني.

لم يرفع رأسه فورًا… ترك الجملة تسقط في الغرفة وتستقر، كان يعرف أن البشر يقولون أول جملة كما يلقون طعمًا في الماء، ينتظرون كيف سيتعامل معه الطرف الآخر.

سألها: ما الذي جعلك تصلين إلى هذا الشعور؟

نظرت نحو النافذة بدل النظر إليه : لم يعد يتحدث معي كما كان.

ـ منذ متى؟

أجابت بسرعة زائدة قليلًا: منذ وفاة والده.

التقط سعيد الارتباك فورًا، السرعة في بعض الإجابات ليست وضوحًا، بل محاولة لإغلاق الباب قبل أن يُفتح. 

ـ ظل صامتًا.

الصمت عند سعيد لم يكن حيادًا، بل أداة… كان يعرف أن الإنسان يخشى الفراغ، وأنه حين لا يجد ردًا سريعًا يبدأ لا شعوريًا بملء المساحة بما لم يكن ينوي قوله… وبالفعل، تنفست ليان ببطء وأضافت:

ـ كان قريبًا مني جدًا حين كان صغيرًا… أكثر مما ينبغي ربما.

ظهرت كلمة انفلتت منها بلا رغبة: أكثر مما ينبغي… توقفت عندها كمن أدرك أنه كشف طبقة غير مقصودة في جدرانه، رفعت الكأس إلى فمها بسرعة تشبه محاولة إغراق الجملة قبل أن تعود وتطفو.

ارتبكت ابتسامتها.

ـ أقصد… كان متعلقًا بي فقط.

لكنه لم يكن مهتمًا بالتوضيح، بل بما سبق التوضيح، الإنسان غالبًا يقول الحقيقة في النصف الأول من الجملة، ثم يقضي النصف الثاني في إصلاحها.

مال قليلًا إلى الخلف: أحيانًا لا يبتعد الأبناء لأنهم توقفوا عن الحب… بل لأنهم بدأوا يرون أشياء لم يكونوا يفهمونها سابقًا.

كان سعيد يلتقط كل شيء: طريقة تجنّبها النظر المباشر، المسافة بين أصابعها حين تمسّ الحقيبة، تغيّر إيقاع تنفسها عند الإشارة إلى ماضٍ لم تُغلقه تمامًا، ومع ذلك ظلّ في موقع لا يقترب ولا يبتعد، كمن يعرف أن الحقيقة لا تُنتزع بالضغط، بل تتسرّب في اللحظة التي يظن فيها صاحبها أنه يفلت من الانتباه.

سألها: كيف كانت علاقتك بزوجك؟

في تلك اللحظة تحديدًا، تغير شيء في وجهها، ليس تعبيرًا واضحًا، بل ظهرت تلك الارتعاشة الدقيقة قرب عينيها، تلميحٌ لا يراه إلا من تدرّب طويلًا على قراءة الخوف تحت طبقات الجلد. 

ـ كان صامتاً لا يحب الحديث معي!

كان الحديث عن الزوج الهادئ أشبه بفتح باب لغرفة لم يدخلها أحد منذ زمن! الصمت الذي وصفته لم يكن صمته بقدر ما كان صدى لصمتها هي، ذلك النوع من الصمت الذي يرغم الإنسان على سماع ما يحاول الهروب منه.

رغم أنها قاطعة تفكيره بضحكة مصطنعة فيها القليل من الحزن وهمست: صامت… كان صامتًا طوال الوقت.

لاحظ سعيد تكرار الكلمة وهمس داخل نفسه ( الصامتون يزعجون الأشخاص الذين يخافون سماع أنفسهم).

لوهلة حاول الربط بين كره ابنها لها وصمت زوجها… كان الهواء يمر بينهما ثقيلاً ، والأشياء تتدلّى في الغرفة كأفكار غير مكتملة.

 هي حريصة أن تقول كل شيء وفي ذات الوقت لا تقول شيء، هذا لغز وعليه أن يعرف ما خلف الكلمات من مشاعر وأفكار، هو يعرف أن كل شخص يحمل جرحًا يخشى أن يلمسه أحد! 

إذا عليه أن يتلمس الجراح خلف حديثها، همس لها وهو يهز رأسه: أكان صمت زوجك يزعجك.

ـ الصمت يشبه الإدانة أحيانًا. 

هذه الجملة لم تكن عن الزوج، بل عنها هي فتح ملفًا صغيرًا أمامه دون أن تنظر إليه:

ـ هل تشعرين بالذنب تجاه شيء ما 

لم يُظهر سعيد دهشة ولا تعاطفًا، فهذه الانفعالات تُربك صاحبها وتمنحه مهربًا، وهو لا يمنح مداخل ولا مخارج، بل يترك الداخل يُصغي إلى صدى نفسه. 

كان يراقب السرد الداخلي أكثر مما يراقب السرد الملفوظ… يعرف أن الأسرار لا تبدأ بقرار، بل تبدأ بارتباكٍ في الحديث.

ـ أحيانًا أشعر أن ابني ينظر إلي بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها والده.

الجسد سبقها وفضحها في تلك اللحظة التي انقطع فيها نَفَسها عند ذكر نظرة ابنها! النظرة التي تشبه نظرة الأب، النظرة التي تحمل سؤالًا لا يريد صاحبه طرحه.

لغة جسدها الجديدة كشفت كل شيء خوفٌ مُوارٍ، ذنب قديم، ورواية ظلت تعدّلها في عقلها حتى صدّقتها، ثم انهارت أمام انعكاس وجهها في ابنها.

الآن عرف كل شيء: الناس يربطون خوفهم من أبنائهم بالماضي، هي تكرر ذات الذنب إذن!

ساد الصمت فجأة، في الخارج كانت سيارات المدينة تمر تحت المطر مثل أفكار هاربة، بينما داخل الغرفة بدا الهواء أكثر كثافة.

جعل يعبث في دفتره كأنه يسجل ملحوظات وفي داخله قد علم أن أغلب الناس لا يخافون على أبنائهم من الحاضر بقدر ما يخافون عليهم من ماضيهم هم؛ كأن الابن يتحول أحيانًا إلى مرآة تعيد لهم أخطاء دفنوها وظنوا أنها انتهت. 

الخوف الذي تسكنه لم يكن خوفًا من ابنها بقدر ما كان ارتجافًا من نظراته؛ تلك النظرات التي لا تكتفي بالرؤية، بل تحفر. 

نظرات تُجبرها على مواجهة ذنب قديم كان يظن أنه نام، فإذا به يستيقظ في هيئة طفل يكبر أمامها، كأنها تحاول، متأخرة، أن تنقذ صورتها القديمة عبر ابنها، لكنها في كل محاولة كانت تعيد إنتاج الذنب نفسه بدل أن تفلت منه.

ـ ابنك يتذكر شيئًا ضبابيًا من طفولته… والآن يحاول أن يجمع القطع.

سقطت الجملة في الغرفة كحجر في ماء راكد، ثم همست وهي تتجنب عينيه:

ـ وماذا كان يراه زوجك؟

انقطع الهواء لحظة، لم تكن مجرد سكون، بل فراغًا قصيرًا انكشف فيه المعنى قبل أن يُقال… هنا فقط أدرك سعيد أن الحديث لم يعد يدور حول الأمومة، بل حول شيء أكثر هشاشة!

لم يعد يحتاج إلى اعتراف صريح؛ الجسد سبق اللسان في البوح، أخبرها أنه لا يحكم هو يعالج فقط، حتى لو قتلت سوف يعالج صدمتها النفسية، وكرر نفس آلية زوجها عليها صمت وصمت وصمت… فقالت أخيرًا، بصوت متردد كمن يختبر اعترافه لأول مرة:

ـ كان يعرف… أو أظنه كان يعرف.

تركت الجملة معلّقة عمدًا، كأنها تدفعه ليكملها عنها… البشر، حين يُتركون داخل جمل غير مكتملة، يميلون إلى إغلاقها بأنفسهم، وكأن الإكمال نوع من النجاة.

ثم أضافت، وقد انخفض صوتها أكثر:

ـ كنت أخونه.

لم يتحرك سعيد… لا دهشة، لا إدانة، لا شفقة! فقط ذلك الصمت الثقيل الذي يجعل الإنسان يسمع داخله لأول مرة دون ضجيج دفاعاته.

بدأت الكلمات تتساقط منها بسرعة، كأنها تُستخرج من مكان ظل مغلقًا سنوات:

ـ لم يكن سيئًا… وهذه هي المأساة… لو كان قاسيًا لكان الهرب أسهل. لكنه كان جيدًا أكثر مما أحتمل. صمته كان يخنقني… كأنه يرى كل شيء ولا يمنحه اسمًا.

قال سعيد بهدوء:

ـ أحيانًا لا يحتمل الإنسان من يجبره على رؤية نفسه.

ارتجفت يدها فوق الحقيبة، كأنها تبحث عن شيء لم يعد موجودًا.

ثم سألها:

ـ وابنك؟

أغمضت عينيها، كمن يواجه بابًا لا يريد فتحه، وقالت:

ـ بدأ يشبهه…

توقفت لحظة، ثم أضافت، وكأنها تكمّل الحقيقة من أسفلها:

ـ في الصمت.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى